مرحبا
حرداقة والإفضاءات
حرداقة والمرايا

هنا فضاء الشارد القصصي

الشاعر والقاص عبد الكريم قذيفة

حرداقه لم يمت ، إنه حي ، موجود بيننا ، صابيء من قال غير ذلك ، حرداقه حي يرزق ، إنه أنت ، وعشرات المساكين من أمثالك ، هؤلاء الذين لفظتهم المدينة ونساؤها ...
حرداقة نقش في ذاكرة المدينة ، ناموس يتجلى للفقراء وللصغار ..هو حي والله ، شيء ما يسكن اللاشعور ...
إفضاء البداية :
أيها الناس هل تذكرون
لحرداقة الفحل تأتي الأغاني
وحيدا ..
على ضفة النهر يفضي إليه
وفي العمق ترسو
سفائن حلم وتيه ..
-01-
فيما مضى ، أي في الفترة التي كان فيها حرداقة بيننا ، كان الناس يسخرون منه في الشوارع ، يحكون عنه النوادر والنكت الطريفة ..كانوا يعتبرونه كأي من مجانين هذه البلدة التي يقصدها فقراء القوم من كل حدب وصوب ..هذه البلدة التي وجدت أصلا ليسكنها الكادحون الطيبون ، ألم يقل عنها وليها الصالح : يا اعمى ، يا زحاف ..بوسعادة قدامك
واليوم و منذ أن بدأت الجرذان تسكنها ، تشوهت ، أصبحت تبدو كقطعة من الخشب نخرها السوس ، أو كوجه تآكله الدود، إنهم بحق دود الأرض ، حينما يسكنون مدينة ما يتورم جلدها ، يتفسخ ، ويبدأ لحمها في التناثر ، تماما مثلما تفعل الإشعاعات بالأجسام ..هم مثل الإيدز تماما ..يفتكون بجسد المدينة ..
حرداقه المسكين ، كان مجرد لعبة يتسلى بها أطفال حي لا سيتي ، ودير لعشايشة ...كانوا يعرفونه حق المعرفة ، فهم طيلة الصيف لا يبرحون رحى دفرير يسبحون في برك الوادي ، ويتلهون بصيد أسماك الشبوط الصغيرة ..

كانوا إذا لقوا حرداقه يركضون خلفه ، وتتبعهم أمواج الأطفال من كل حدب وصوب ، وكلهم يهتف : حرداقه ..حرداقه ..وكان رحمه الله يلتفت إليهم بين الحين والأخر ، والبسمة تعلو محياه ، مسكين هو ، وديع وطيب ، لا يعرف الغضب في وجه الأطفال ...كان ينحني ليحمل حجرا أو أي شيء يعثر عليه أمامه ..لكنه لا يرمي به أبدا ، بل يبقى ضاغطا عليه ، ويخاطب الأطفال ملوحا بما في يده : اسمعوا يا ولادي ..تروحوا والا نضربكم بحبة تفاح ولا باتيسري ....ياه مسكين .. هو كالأطفال تماما ..لا يفكر إلا بهذه الأشياء الحلوة والجميلة .
إفضاء أول :
يا صغار المدينة لا ترهقوني
أنا مثلكم عاشق للبنفسج والياسمين
وأحلم بالكسكس المنزلي وبالبرتقال
و لكنني مثقل بالأسى
والمدينة لا ترحم المتعبين
فللفقراء إذا ما نفوا من ديارهم دمعتان
وبعض الأنين ..
صغاري أنا مثلكم حالم
وإياكم أحب
فلا تتعبوني ..دعوني ..
-02-
ولكننا لم نفهمه أيامها ، كنا لا نرى بيده الأشياء التي يتحدث عنها ، فنضحك مليء أشداقنا ، ثم نعود للهتاف والزعيق ..أما هو ..فكان يهرب منا ، و يواصل جولته المعتادة في المدينة ..كانت مقهى الجزائر المكان المحبب إليه ..يجلس هناك حيث يلتقي نخبة رفاقه ..دراويش البلدة ومجانينها بياع عينو ، سريدينه ، واحميده الزق ...كان يخرج من جيبه الأوراق النقدية التي رسمها على ورق عادي ، ويشرع في توزيعها على زبائن المقهى ، خاتما طلبه في كل مرة بجملة يكررها : تلقاها عند ربي خمسا لاف ماشي خمسمية
إفضاء ثاني :
أه يا بن المدينة
أنت يا أيها المتوزع بين عذاب وأخر
و يا ضائعا في زحام العيون الحزينة ..
تفتش عن جنة ضائعه
تراك تصدقت عني
لتمحو عني ذنوبي
وتبقى ذنوبك عالقة في جبين المدينة
-03-
كانوا يغدقون عليه بسخاء ، لا أحد يبخل عليه أو يرده ..وكان عندما ينتهي من توزيع أوراقه ، يشتري كعادته قنينة كحول ، وبعض ما يقتات به ، ثم يمضي باتجاه غيران سبعات أين يقضي لياليه ...
هناك في الغار ، تبدأ طقوس الإسراء إلى الأعماق ، صوب الذات ، الوحدة والزمبريطو ..كان رحمه الله في لحظات الخلوة تلك ، يرفض اقتراب أي شخص منه ، يتحول إلى انسان شرس إذا ما حاول أحد اقتحام خلوته ، ربما هي لحظات المكاشفة والعري الداخلي ..لحظات الذكرى المقدسة ..
في الوادي ..وفي سكون الليل ، حيث لا يسمع غير نقيق الضفادع ، ووقع انسياب المياه في رتابة ورهبة ..يجلس حرداقه ، وفي الغد يخرج إلى الناس بنبوءة جديدة .
إفضاء ثالث :
هنا الخلد والجتة المرتجاة
هنا ما لا عين رأت
ولا أذن سمعت
للمدينة في آخر الليل موالها
ولي ما لقلبي من الذكريات
لي النهر والصخر
لي جنتي ..
فادخلوها معي
أو دعوني لها أبدا في الحياة ..
-04-
أطفال المدينة الذين لم يعرفوا حرداقه عن قرب ، كانوا يخافونه حد الموت رعبا ، كان الآباء يرهبون أبناءهم بذكر حرداقه ، يأمرونهم بالطاعة والإمتثال لهم ، أو يأخذونهم إلى حرداقه وكال الدواب ، وتلك قصة أخرى ..
حرداقه كان رفيق الجوع وحبيبه ، كان في الأيام التي يمرض فيها ، لا يرى المدينة مطلقا ، يبقى هناك في الغيران ، للجوع والبرد والسعال الحاد ..كان يجوع حتى لا يكاد يقف على قدميه ، ورغم ذلك يظل صابرا متجلدا ...مرة واحدة فقط ..واحدة فقط لم يستطع الصبر ، شارف على الموت ، فما كان منه إلا أن جر نفسه جرا باتجاه جثة حمار ميت ..وقيل أنه نتف من لحمه ، وسد جوعه ..هكذا يقولون ..ومن يومها سماه الناس وكال الدواب ..كان رحمه الله يردد دائما : الجوع كافر ..
صغارا كنا ، نتخيله وحشا ، غولا كبيرا ، يفترس حيوانات بكاملها ، كنا نخافه ، نخاف حتى التلفظ باسمه ، فنمتثل صاغرين لأوامر أبائنا وأمهاتنا ..لكنه كان يحب الأطفال ، هكذا عرفنا فيما بعد ، كان يداعبهم ، يجرى خلفهم و لا يؤذيهم أبدا ، كان طيبا في قرارة نفسه ، لا يحب فقط ظلم بعض المدينة لبعضها ، يواجه الصيف والشتاء بنفس الثياب البلوزة البيضاء المتسخة والشاشية السوداء ..
إفضاء رابع :
أيها الناس لو مرة صدقوني
هو الجوع من كفر الناس
لكن لي قبس الأنبياء
تجلدهم ، صبرهم للعراء
أنا آخر الأولياء وخاتمهم
فاسمعوني
واقرأوا ما كتبت لكم في عيوني ..
-05-

مات حرداقه ..ولم تصدق المدينة الخبر ، مات على شفتيه ابتسامة تشبه ابتسامة الأطفال والملائكة ..وقيل أن جنازته كانت أكبر جنازة شهدتها المدينة ، خرج الناس عن بكرة أبيهم ، خرجوا يودعونه إلى مثواه الأخير ، كانت جنازته رهيبة ، بكته النساء ، بكاه الأطفال والشيوخ ، حتى الشوارع بكته ، وأهلكت نفسها حزنا عليه ، وقيل أن روحه سكنت الكهوف ، فلم فيها أحد بعده ..
إفضاء خامس :
صدق الأنبياء رؤاهم وماتوا
وها خاتم الأولياء يموت قتيلا
بجنته الخالده
أيها الناس أيوب مات
ونحن تصفق أعراسنا
بيد واحدة ..
-06-
عاش في الواد واداه الواد ..
واليوم ...وقد مرت السنوات على رحيله ، وقد أصبح رفاقه الأطفال رجالا ..يحملون هم المدينة ، اليوم ، يتحدث عنه الجميع باكبار وتقدير ..كما يتحدثون عن الصحابة والأولياء ..
اليوم أصبح حرداقة قصة تسكن أعماق المدينة ، يرويها الكبار للصغار بمزيج من الفخر والشفقة ، الفخر لأنهم عرفوا حرداقه وعاشوا معه عن قرب ..والشفقة لشوق الصغار وحلمهم برؤيته ذات يوم يجري خلفهم ويداعبهم ..
تلك كانت حياة حرداقه ، وظلت كذلك في أذهان الناس ، ظل حرداقه حبيب الأطفال ، والوادي ، وغيران سبعات ، وظل السؤال عالقا ..وغامضا : من يكون حرداقه ياترى ؟؟ من أين جاء ، وماهي قصته الأخرى ؟؟
ولكن ..من قال أن حرداقة مات فعلا ؟ ألم تقل في البداية أنه أنت ، وعشرات المساكين من أمثالك .
هوامش :
حرداقة : اسم لشخصية عاشت بمدينة بوسعادة بوابة الصحراء الجزائرية ، توفي سنة 1976
كل الأمكنة المذكورة موجودة في مدينة بوسعادة وغيران سبعات تعني الغيران السبعة .
مقولة تنسب إلى مؤسس مدينة بوسعادة الولي الصالح سيدي ثامر .