نبض الانتماء
مقالات في الفن والأدب والحياة

 

 

 

 

البحث عن امرأة استثنائية

يختلف الأدباء والنقاد في تقييمهم للنصوص الأدبية، فمعايير الجودة والرداءة ليست واحدة، ولكل وجهة نظره، لكنهم ربما يتفقون جميعا على أن النصوص الجيدة هي التي حين نقرأها نتمنى لو كنا نحن من كتبناها..هي تلك النصوص التي تلامس فينا مشاعرنا العميقة، الموغلة في الداخل، النصوص التي تدغدغ إحساسنا..و تفضحنا أمام أنفسنا..أي تضعنا وجها لوجه أمام الإنسان فينا..

الروائي الراحل جبرا إبراهيم جبرا، أحد الكتاب العرب الذين لم يتوقف الإعلام العربي عندهم كثيرا، قدم للمكتبة العربية عشرات الأعمال التي لم تنل حظا كبيرا من الدعاية والاهتمام، ربما باستثناء عمله المميز ( شرق المتوسط ) والذي اعتبر حين صدوره إضافة مهمة للرواية العربية.

ولعل المشترك بين أعمال جبرا إبراهيم جبرا، أن أبطالها شخصيات غير عادية، مختلفة في حياتها وتفكيرها، حتى لتبدو أحيانا أنها غريبة، بل ومستحيلة الوجود، بينما النظرة الموضوعية للواقع تقول غير ذلك، ثمة في حياتنا ومن حولنا الكثير من الناس، ليسوا عاديين، مختلفين و متفردين في تفكيرهم، في مشاعرهم، في نظرتهم للحياة..لكننا..وفي خضم زحمة الحياة، لا نلتفت إليهم ولا نهتم بهم، فالناس مولعون بالعادي، بالمتداول، وكأنهم نمط واحد، لا وقت لديهم للاكتشاف والانتباه..

لدى جبرا إبراهيم جبرا فكرة أخرى، القلة القليلة التي تبتكر نمط حياتها وأسلوبها في العيش هي الحقيقة، فالعظماء الذين رسموا ملامح التاريخ، وغيروا مسار الأحداث، كانوا قلة في مجتمعاتهم، متميزين في حياتهم وأفكارهم..واستثنائيين.

في روايته الأخيرة ( يوميات سراب عفان) يقدم جبرا إبراهيم جبرا للقاريء العربي شخصية امرأة مختلفة تماما، امرأة استثنائية..في سلوكها، حياتها، تفكيرها، امرأة توفرت لها كل أسباب الحياة الراقية، كان يمكن لها أن تعيش مترفة، تتفنن في انتقاء ملابسها، في زينتها، في تدللها وغنجها..لكنها في الرواية تبدو امرأة أخرى، من طراز نادر ومختلف..امرأة رقيقة، حساسة، تحمل كل معاني الكبرياء والإباء العربي، عميقة في رؤيتها للحياة، في انتمائها العرقي والحضاري..

نلمس خلال الرواية حين يحدثنا الكاتب عن بطلته ظلال بلقيس نزار قباني كما رسمها لنا بحروفه.

توزعت حياة بطلة الرواية بين العراق ولبنان، ثم هاجرت إلى باريس لمتابعة دراستها..لكنها ظلت هي، بروحها المختلفة، بهندامها المفرط في البساطة، والملفت في تناسقه و حسن اختياره، وبالروح العربية الحاضرة في كل ذاتها، في حركاتها وسكناتها، مما ميزها عن كل من حولها، التميز الإيجابي في المظهر والسلوك..في الثقافة، فهي امرأة لم تكتف بالقراءة فقط، بل سعت لبناء شخصيتها باستلهام تلك القراءات، وتحويلها إلى قيم حياتية ترتكز إليها في عيشها اليومي..

تبدو سراب عفان بطلة الرواية، وكأنها تعيش على الهامش، فعلاقاتها قليلة، لكنها ثرية وغنية، نكتشف أيضا اهتمامها بكل ما يدور حولها، متابعتها للأحداث و تفاعلها معها..ارتكاز من حولها عليها في اتخاذ الكثير من قرارات حياتهم...

رواية جبرا عن سراب عفان، عمل مميز، عن الإنسان، عن علاقة حب ليست عادية، ولا روتينية، علاقة مختلفة لم تقهرها سنوات الغياب..ولم تسقطها الهجرة والاختفاء في النسيان..قصة بطلين استثنائيين وغير مألوفين في الرواية العربية، تثير فينا رغبة الإكتشاف، ومتعة القراءة المثيرة والمدهشة إلى أخر حرف في أخر سطر.