الزبونيات..موجة في الشعر الجزائري
الإنسان العربي بصفة عامة ، والجزائري بصفة خاصة ، مسكون بالسياسة ..مشتغل بها .لا يستطيع العيش دون ممارستها ، بالفعل أو بالقول ، يبدي رأيه ، ويتخذ مواقفه من كل ما يجري ..ذلك أن السياسة بالنسبة له هي الحياة ..فالعيش سياسة ، والعمل سياسة ، وأحوال الناس وشؤونهم سياسة . و لا يمكن فصل الأدب عن السياسة ، فمعظم الأعمال الأدبية العربية والجزائرية تتخذ من السياسة موضوعا رئيسا ..وبعضها أرخ للحدث السياسي من منظور أدبي واجتماعي . وفي السياسة هناك دائما مساند ومعارض ، يشكلان طرفي الصراع ..وهناك قلة تقف على الحياد..ومن يساند جهة ، يعارض بالضرورة الأخرى ..وذاته الأمر ينطبق على الأدب ، فقد تحول الأدباء إلى جنود مدنيين ، يقفون في الصف الخلفي للسياسي ، يطبلون لما يقرره ، ويعارضون ما يعارضه . وإذا كان الأدب الرسمي ، الناطق باسم السلطة ، يلقى دعمها و تأييدها ، إلا أنه لا يجد الإقبال من القراء ، على عكس الأدب المعارض الذي عادة ما يحاصر بكل الوسائل والسبل ، سياسيا وثقافيا وإعلاميا ...ومع ذلك يصل بوسائل مختلفة إلى الناس ، ويحفظ عن ظهر قلب إذا كان شعرا ..ويردد في المقاهي ، وفي الجلسات الخاصة . خلال فترة السبعينات ، كانت الجزائر تعيش على أحلام الإشتراكية الكبرى ، وكان طبيعيا أن ينخرط الأدباء الشباب أنذاك في هذه الموجة ، كيف لا ، والحجر من تحت أرجلهم لو نطق لقال : أنا اشتراكي ..وقد جند هؤلاء أنفسهم لتعبئة الجماهير لمختلف الثورات ( الزراعية والصناعية والثقافية ...) يهللون لكل ما تأتي به السلطة أنذاك ، ويكتبون قصائد على المقاس ، حتى أن هناك حادثة تشبه النكتة ، إذ يروى أن أحدهم ومن كثرة ولعه بمصطلحات الإشتراكية و الثورة الزراعية ، كتب قصيدة يصف فيها حبيبته ، فيقول في وصف عينيها : - عيناك مزرعة مسيرة ذاتيا وبالمقابل ، كان هناك شعراء يعيشون على الهامش ، شعراء جيدون ، يكتبون قصائد مختلفة ، بعضهم إختار الخط الديني مثل الشاعر المجيد مصطفى محمد الغماري ، وبعضهم إختار التعبير عن رأيه بطريقة مختلفة . إختار هؤلاء الشعراء أن يعبروا عن نقدهم للنظام ، وعدم رضاهم بأسلوب فكاهي وساخر ، واختاروا لقصائدهم عنوانا مشتركا سمي بـ ( الزبونيات ) نسبة إلى الزبون ، الزبون الذي يمثل المواطن العادي البسيط الكادح وراء لقمة العيش . عدد هذه القصائد في حدود علمي تجاوز الأربعين ، وكتابها أكثر من عشرة شعراء ، كتبوها بلغة بسيطة يفهمها العام والخاص ، رصدوا من خلالها حياة المواطن العادي ، ومتاعبه اليومية ..وضمنوها آراءهم السياسية في كل ما يحدث حولهم ، انتقادات لطرق التسيير المتبعة ، و لوضع المواطن العادي الذي أثقلته البيروقراطية و التصرفات اللا مسؤولة لبعض الإداريين وممثلي النظام في مدن الداخل . توزعت مواضيع الزبونيات حسب الظرف والمناسبة ، فمن الزبون في السوق ، إلى الزبون في البلدية ، إلى الزبون العاشق ....تعددت المواضيع والمضمون واحد . قصائد ساخرة ، فكاهية ، تضحكنا ، لكنه ضحك كالبكاء... ومن القصائد الساخرة في الزبونيات ، تلك القصيدة التي يعارض فيها صاحبها قصيدة معروف الرصافي الشهيرة والتي يصف فيها طفلة فقيرة ، يقول الرصافي : لقيتها ليتني ما كنت ألقاها * تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها أما صاحبنا فيقول في زبونيته : لقيتها ليتني ما كنت ألقاها * تمشي وقد عرقل القبقاب ممشاها أثوابها شترة والساق عارية * والغمز ترسله كالبرق عيناها وحين كلمتها هزت شنافتها * كأنما أنا (قرصون ) لباباها لا تلوموا الناس إن هم سألوا * في السوق عن بصلة فالسوق غلاها القبقاب : حذاء ذو كعب عالي شترة : قصيرة شنافتها : كناية عن عدم ترحيبها بحديثه إليها القرصون : كأنني خادم لدى والدها وحين فقدت القهوة في السبعينات ، يصف أحدهم حالة الزبائن المدمنين على شربها ، وهم يدخلون المقاهي ، ولا يجدون مشروبهم المفضل ..ويستهل قصيدته موجها الخطاب إلى زارعي القهوة في البرازيل : يا زارع البن في أرض البرازيل تحية الود من كل المســـــــاطيل المسطول : المخدر لقد كان هؤلاء الشعراء ، ومن بينهم سليمان جوادي وعاشور فني ، يلتقون بصفة دائمة ، ويقرأون لبعضهم زبونياتهم ..ولعل الزمن سينصف هذه القصائد لتخرج إلى الناس في ديوان يؤرخ لتلك المرحلة شعريا . وأختم حديثي عن هذه القصائد ، بقصيدة للشاعر عاشور فني يصف فيه حالة زبون يحمل قفة ، ويدخل إلى السوق ، يجوبه من كل أطرافه ، ثم يخرج منه بقفة فارغة ، وقد وجد كل شيء مرتفعا ثمنه ، فيقف رافعا يديه مخاطبا وطنه بقوله : بكى الزبون وقال : الله يا وطني * أنا وأنت فقط صرنا بلا ثمن
ويا وطني ..لا تحزن . .
|